والواجب في الأمانات العامة والخاصة أن تُحفَظ وتؤدَّى على الوجه المطلوب شرعًا، ويَحرُم إضاعتها وخيانتها؛ قال الله تعالى: ﴿{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}﴾ [الأنفال: 27]، وقال الله تعالى: ﴿{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}﴾ [النساء: 58].
المعنى العامُّ للأمانة:
المعنى العامُّ للأمانة: هو أنها تتناول جميع أوامر الشرع ونواهيه، ومما يدلُّ على ذلك قول الله تعالي: ﴿{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}﴾ [الأحزاب: 72].
قال ابن كثير في تفسيره (6/ 489): "إِنَّ الْأَمَانَةَ هِيَ الْفَرَائِضُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الطَّاعَةُ... وقَالَ قَتَادَةُ: الْأَمَانَةُ: الدِّينُ وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ... وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا؛ بَلْ هِيَ مُتَّفِقَةٌ وَرَاجِعَةٌ إِلَى أَنَّهَا التَّكْلِيفُ، وَقَبُولُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِشَرْطِهَا، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ قَامَ بِذَلِكَ أُثِيبَ، وَإِنْ تَرَكَهَا عُوقِبَ، فَقَبِلَهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ضَعْفِهِ وَجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، إِلَّا مَنْ وَفَّقَ اللَّهُ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ".
وقال الطبريُّ في تفسيره (19/ 204): "وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ عَنَى بِالْأَمَانَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: جَمِيعَ مَعَانِي الْأَمَانَاتِ فِي الدِّينِ، وَأَمَانَاتِ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِقَوْلِهِ: ﴿{عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}﴾ [الأحزاب: 72] بَعْضَ مَعَانِي الْأَمَانَاتِ لِمَا وَصَفْنَا".
وقال القرطبي في تفسيره (14/ 253): "وَالْأَمَانَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ وَظَائِفِ الدِّينِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ".
وقال الله تعالى: ﴿{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}﴾ [المؤمنون: 8].
قال القرطبي في تفسيره (12/ 107): "وَالْأَمَانَةُ وَالْعَهْدُ يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْمِلُهُ الإنسان من أمر دينه ودنياه قولًا وفعلًا، وَهَذَا يَعُمُّ مُعَاشَرَةَ النَّاسِ، وَالْمَوَاعِيدَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ ذَلِكَ حِفْظُهُ وَالْقِيَامُ بِهِ، وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنَ الْعَهْدِ، وَكُلُّ عَهْدٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ أَوْ مُعْتَقَدٌ".
قال الشنقيطيُّ في أضواء البيان (5/ 319، 320): "ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُفْلِحِينَ الْوَارِثِينَ الْفِرْدَوْسَ: أَنَّهُمْ رَاعُونَ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ؛ أَيْ: مُحَافِظُونَ عَلَى الْأَمَانَاتِ، وَالْعُهُودِ، وَالْأَمَانَةُ تَشْمَلُ: كُلَّ مَا اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ، وَأَمَرَكَ بِحِفْظِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهَا حِفْظُ جَوَارِحِكَ مِنْ كُلِّ مَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، وَحِفْظُ مَا ائْتُمِنْتَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَالْعُهُودُ أَيْضًا تَشْمَلُ: كُلَّ مَا أُخِذَ عَلَيْكَ الْعَهْدُ بِحِفْظِهِ، مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَحُقُوقِ النَّاسِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ حِفْظِ الْأَمَانَاتِ وَالْعُهُودِ، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}﴾ [النساء: 58]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}﴾ [الأنفال: 27]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}﴾ [المعارج: 32]".
المعنى الخاص للأمانة :
هي كل ما يجب على الإنسان حفظه وأداؤه من حقوق الآخرين، وللأمانة ثلاث صور مشهورة:
الصورة الأولى: الحقوق المالية الثابتة بعقود أو بدون عقود:
الحقوق المالية الثابتة بعقود؛ كالودائع والقروض والإجارات ونحوها، أو بدون عقود؛ كاللُّقَطة وما يجده الإنسان من أموال الناس الضائعة منهم.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (6/ 236): "الأَمَانَةُ: ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَالأَمَانَةُ تُطْلَقُ عَلَى كُل مَا عُهِدَ بِهِ إِلَى الإِنْسَانِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ كَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ، وَمِنَ الأْمَانَةِ: الأْهْل وَالْمَال.
وَبِالتَّتَبُّعِ تَبَيَّنَ أَنَّ الأَمَانَةَ قَدِ اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ عِنْدَ الأَمِينِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي:
أ - الْعَقْد الَّذِي تَكُونُ الأْمَانَةُ فِيهِ هِيَ الْمَقْصِدَ الأَصْلِيَّ، وَهُوَ الْوَدِيعَةُ، وَهِيَ الْعَيْنُ الَّتِي تُوضَعُ عِنْدَ شَخْصٍ لِيَحْفَظَهَا، فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الأْمَانَةِ، فَكُل وَدِيعَةٍ أَمَانَةٌ وَلاَ عَكْسَ.
ب - الْعَقْد الَّذِي تَكُونُ الأَمَانَةُ فِيهِ ضِمْنًا، وَلَيْسَتْ أَصْلاً؛ بَل تَبَعًا، كَالإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالرَّهْنِ.
ج - مَا كَانَتْ بِدُونِ عَقْدٍ كَاللُّقَطَةِ، وَكَمَا إِذَا أَلْقَتِ الرِّيحُ فِي دَارِ أَحَدٍ مَال جَارِهِ، وَذَلِكَ مَا يُسَمَّى بِالأْمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.".
الصورة الثانية: حفظ أسرار الناس:
عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) رواه مسلم.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ)) رواه أبوداود والترمذي وقال: هذا حديث حسن، وصححه الألباني.
الصورة الثالثة: المسؤوليات والمناصب العامة والخاصة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: ((إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)) رواه البخاري.
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَة، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)) رواه مسلم.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلاَءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» رواه البخاري ومسلم.
قال النووي في شرح مسلم (12/ 213): "قَالَ الْعُلَمَاءُ: الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ، فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ، فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ، وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمُتَعَلِّقَاتِه".